8 / 12 / 2019 0

(52)

الصورة الذهنية: تمثل واقعاً صادقاً بالنسبة لمن يحملونها في رؤوسهم*

اشتهر في التراث العربي شخصيات عاشوا مرتبطين بصورة ذهنية طيبة وحموها طيلة حياتهم وماتوا ولم يتناقضوا معها أو يتنازلوا عنها، وتشهد لهم عشرات القصص التي رويت عنهم والأشعار التي قالوا أو قيلت فيهم، ومن أشهر النماذج المعروفة في التاريخ حاتم الطائي وصورته الذهنية الكرم، وعنترة العبسي وصورته الذهنية الشجاعة، وقيس بن الملوح وصورته الذهنية العشق.

تنبه العلماء والمؤلفون لهذه الظاهرة ورصدوها ثم درسوها، وأشار الثعالبي إلى بعضها ضمن كتاب «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، وهي تكون صورة ذهنية إذا ارتبطت بسلوك اجتماعي، وتكون للأشخاص مثل: صبر أيوب، وحلم الأحنف، وكرم حاتم ونحوها، وقد تكون للقبائل مثل تجارة قريش، وكرم طيء.

  • مفهومها

يعرف علي عجوة الصورة الذهنية image بأنها: «الصورة الفعلية التي تتكون في أذهان الناس عن المنشآت والمؤسسات المختلفة، وقد تتكون هذه الصورة من التجربة المباشرة أو غير المباشرة، وقد تكون عقلانية أو غير رشيدة، وقد تعتمد على الأدلة والوثائق أو الإشاعات والأقوال غير الموثقة، ولكنها في النهاية تمثل واقعًا صادقًا بالنسبة لمن يحملونها في رؤوسهم». نتيجة لتتبعي لموضوع الصورة الذهنية وتطبيقاتها، وما تحدثه من أثر اجتماعي واقتصادي، توصلت إلى انطباع عام وهو: أن لكل مشروع أو منجز صورة ذهنية ترتبط به وتنشأ معه، وأن هذه الصورة الذهنية سوف تتشكل لتكون سمعة المؤسسة التي نفذت المشروع أو المنجز، وأن السمعة لها ثلاث حالات: إما أن ترسم المؤسسة صورتها الذهنية بنفسها وتتولى إدارتها، وإما سوف يبنيها الخصم، وإما سوف تبنى بطريقة عشوائية غير منظمة.

وتعد الشركات العالمية الرائدة مثالاً مناسبًا للمؤسسة التي تطلق مبادراتها وتطلق معها الصورة الذهنية التي ترغب أن تثبتها في وعي المجتمع، وتستعين غالبًا بما يسمى (صانع الصورة) أو بشركات متخصصة، وفي السياسة معروف أن أمريكا تبذل جهودًا إعلامية كبيرة حتى تربط سمعتها بالصناعة الأمريكية وبتقنيتها وبحضارتها وليس بسياستها الخارجية.

كما أنه يوجد في كل شركة كبرى إدارة تصنع الصورة الذهنية، فإن من مهامها أيضًا إدارة السمعة وحماية صورتها من الإشاعات التي تبثها ضدها الشركات المنافسة. أما الصورة الذهنية التي تبنى بصورة عشوائية فهي سمة لكثير من المؤسسات الحكومية والشركات الأهلية، إذ كثيرًا ما تطلق مشروعات كبيرة ومبادرات مهمة مثل مشروع الابتعاث الخارجي وبرنامج حافز وغيرها، في حين تبقى صورته الذهنية في ذهن المسؤول وحده، وبحكم متابعتي للخطاب الإعلامي للمسؤولين عن هذه البرامج والمشروعات لاحظت تركيزهم على أهميته وجدواه، وهذا يختلف تمامًا عن بناء الصورة الذهنية، فليس بالضرورة أن يصاحب المشروع الجيد صورة ذهنية حسنة.

  • أنواع الصورة الذهنية:

عد جيف كينز خمسة أنواع للصورة الذهنية، كما يلي:

١- الصورة المرآة: وهي التي تعكس صورة المؤسسة لنفسها.

٢- الصورة الحالية: وهي صورة المؤسسة في ذهن المجتمع.

٣- الصورة المرغوبة: وهي التي تود المؤسسة أن تكونها لنفسها في أذهان الجماهير.

٤- الصورة المثلى: وهي أمثل صورة يمكن أن تتحقق.

٥- الصورة المتعددة: وتحدث عندما يعطي كل مسؤول انطباعًا مختلفًا عن المؤسسة.

وتركز غالبية المؤسسات وكذلك الأفراد على تفعيل الصورة المرغوبة وترسيخها بين جمهورها أو في المجتمع.

  • أهميتها الصورة الذهنية:

هي سمعة المؤسسة في المجتمع، وهي روح المؤسسة وهويتها ويبنى عليها مكانتها الاجتماعية والاقتصادية، وليست عملاً ترفيهيًا ولا حتى مهمًا وحسب، ولكنه إدارة الأفكار التي يراد لها أن تقوم مقام الحقائق وتعكس سمعة المؤسسة، وقد تكثفت الدراسات في الثلاثين سنة الأخيرة حول هذا الموضوع لارتباطه المباشر بالعلوم الاجتماعية وبالتسويق، إذ توصل العلم إلى أن الإنسان العادي يبني أفكاره وتصوراته مع سمعة المنتج وليس مع المنتج ذاته، ويتحدد سلوكه الاقتصادي والاجتماعي من خلال الصورة الذهنية وليس ما هو في الواقع بالضرورة، وأنه لا يوجد علاقة طردية واقعية بين جودة المنتج والسمعة الحسنة، وهذه خطوة خطيرة وعميقة في فهم الطبيعة البشرية وطريقة عمل العقل البشري التي نتجت عن اكتشاف وجود طبقة تفكير غير واعية (اللاشعور)، تتحكم في سلوكنا. نتيجة لهذا الكشف العلمي تحول التفكير العالمي في السياسة والاقتصاد والتسويق والاجتماع والإعلام إلى الاهتمام بالصورة الذهنية، أما الشركات العالمية فقد تحول تعاملها مع المنتجات إلى اعتبارها علامات تجارية وبناء صورة ذهنية لها وإدارة سمعتها بدلاً من الاهتمام بحقيقة المنتج، نظرًا لأن شهرة المؤسسة أو الشركة (صورتها الذهنية) تصنف ضمن الأصول الثابتة للتقييم.

  • الصورة الذهنية في الدراسات الأكاديمية:

تنبهت كثير من جامعات العالم، بما فيها الجامعات العربية، إلى أهمية دراسة الصورة الذهنية في علوم السياسة والاجتماع والنفس والإعلام والتسويق، ووجهت طلاب الدراسات العليا (دكتوراه وماجستير) لدراسة الصورة الذهنية للشعوب وللمنتجات. من الدراسات التي اطلعت عليها أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية من تركيا بعنوان «الصورة الذهنية للشعب التركي لدى السعوديين والصورة الذهنية للشعب السعودي لدى الأتراك»، ويوجد دراسات كثيرة ترصد صورة العرب والمسلمين في الأفلام الغربية أو في مناهجها الدراسية.

  • الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في الغرب:

صدرت دراسات كثيرة ترصد صورة العرب والمسلمين في أذهان المجتمعات الغربية، من خلال تحليل محتوى الأفلام السينمائية والرسوم المتحركة وصور الكاريكاتير، وتتفق الدراسات على أن وسائل الإعلام الغربية عمومًا تكرس الصورة الذهنية السلبية عن العرب والمسلمين.

يذكر كتاب «المخادعون» للكاتب الأمريكي جاك شاهين أن وسائل الإعلام الغربية تصور العرب على أنهم شيوخ نفط ومترفون وإرهابيون، ومن سماتهم الشخصية، السمنة والأنف المعقوف واللحية الكثة والثوب والغترة والعقال، بينما تصور الإسلام بوصفه دينًا قبليًا بدائيًا، وبعد ١١ سبتمبر زادت وسائل الإعلام تكريس الصورة السلبية مع ربطها بقتل الأبرياء.

قول جاك شاهين: «دلت أبحاثي التي دامت أكثر من عشرين سنة على أن كلمتي عربي - ومسلم تثيران ردود فعل عدائية يصعب معها على الجمهور أن يميز الحقيقة من الخيال، وربما لم يتعرض أي شعب في العالم نتيجة ذلك إلى هذا المدى من سوء الفهم كما يتعرض المسلمون».

وللأسف أن هذه الصورة الذهنية عملت في المجتمع الغربي دون مقاومة تذكر من الإعلام العربي والمسلم، مما رسخ الصورة وزاد انتشارها في وسائل إعلام شرق آسيا.

  • الصورة الذهنية للمنتجات في ذهن المستهلك:

أدركت العلاقات العامة في الشركات الصناعية والخدمية منذ الثمانينيات الميلادية أهمية تحسين صورة منتجاتها في أذهان الجماهير وخطورة ذلك على وجودها ومستقبلها، وابتكرت وظيفة (صانع الصورة)، وأصبحت تنفذ دراسات دورية لتحديد عناصر الصورة الذهنية المرغوبة لإدارة سمعتها، ونتيجة لهذا خففت الشركات الكبرى من التركيز على جودة المنتج ونقلت مصانعها للدول الفقيرة، وركزت مقابل ذلك على جودة العلامة التجارية وأنشأت إدارة متخصصة لبناء صورة ذهنية لمنتجاتها وإدارة سمعتها، لأن السمعة الجيدة تبني الآراء والاتجاهات وتسهل عمليات اتخاذ القرار وتشكل السلوكيات ومن ثم تفتح المجال أمام العملية التسويقية. ولهذا يرى الشخص العادي رداءة في بعض منتجات الشركات الكبرى ولكنه يتهيب من نقدها بسبب قوة سمعتها.

  • الصورة الذهنية والعلاقات العامة:

على الرغم من غزارة ما كتب عن بناء الصورة الذهنية وإدارة السمعة في السياسة والتسويق والاتصال المؤسسي والعلاقات العامة، إلا أنها ما تزال مغيبة عن العلاقات العامة التي عادة ما تغرق في تفاصيل الحياة اليومية الروتينية للمؤسسة وتركيز جهودها لخدمة القيادات العليا وتهمل مهامها الفكرية والجماهيرية ومسؤولياتها الاجتماعية. ولو أسقطنا هذه الحقيقة على مؤسسات الدولة لوجدنا مسافة بعيدة بينها وبناء الصورة الذهنية، وبخاصة في مؤسسات حيوية، تمس أمن المجتمع ورفاهيته مثل القضاء والصحة والتعليم وغيرها، وهذا يدعو إلى لفت الانتباه إلى مشكلة ثقافية حقيقية، ومشروع وطني كبير، لأن إهماله يكلف الدولة خسائر مالية عالية ويلصق بمؤسساتها سمعة اجتماعية سلبية مما يفقدها «الثقة الشعبية» التي يحتاجها المواطن قبل الدولة، لأن بناء الصورة الذهنية الطيبة وإدارة سمعتها تنعكس إيجابًا على المؤسسة المعنية، كما تنعكس إيجابًا على سمعة الموظفين اجتماعيًا، ويسهم في انتمائهم للمؤسسة ورفع معنوياتهم، فضلاً عن كسب دعم المجتمع والمؤسسات الحليفة.

بناء الصورة الذهنية عملية ثقافية تتطلب رؤية واضحة وذهنًا يستوعب المستجدات وإدراكًا سليمًا للقيم الثابتة والقيم المتغيرة في المجتمع، ولا تتطلب بالضرورة زيادة معلومات ولا تخصصًا، فكم من عوام صاروا تجارًا أو بارزين في الفنون والمهن وبنوا لأنفسهم ولمؤسساتهم صورة ذهنية إيجابية بسبب وضوح الرؤية لديهم ولأنهم يملكون ذهنيات منفتحة. لذلك فهي عملية تحتاج إلى وقت طويل وجهد قليل، ورؤية واضحة وعقول منفتحة تستطيع أن تلم بأوجه نشاطات الوزارة أو المؤسسة وتحديد المسار الرئيس والهدف الأهم ليسهل تحديد هويتها التي تعاني من أزمة، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية غير محصنة من أي حملة تشويه سمعة، كما أنها غير محصنة من بروز قيادي بارع يستأثر بهذا التراث الضخم من السمعة الجيدة المهملة في ظل استمرار تجاهل إعلامها وعلاقاتها العامة لأهمية بناء الصورة الذهنية وإدارة السمعة.

  • الاستثمار في المعرفة وترك السلبيات:

الصورة الذهنية هي «روح» وليست «نصوصًا». ولو طبقنا فكرة الصورة الذهنية في التربية والتعليم لتوصلنا إلى أنه يتوقع منها أن تركز على مبدأ الاستثمار في شباب الوطن، لأنهم المعدن الذي لا ينضب، وأن تزويد الطالب بالعلم والمعرفة سوف يمكنه من النجاح والتخطيط لتحقيق أهدافه الخاصة، وأعتقد أن التركيز على هذه الفكرة وتكرارها في كل مناسبة، مقابل التقليل من مناقشة سلبيات التعليم مثل البطالة وضعف المخرجات، ونحوها، سوف يمنح الوزارة فرصة التطوير والانفتاح على المجتمع بدلاً من وضعها في مواقع الدفاع وتبرير الأخطاء.

*عبدالرحمن شقير، مجلة المعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *